محمد أبو زهرة

355

المعجزة الكبرى القرآن

والاتجار في الشام وفارس ، بما يأخذه المرابى من ربا ، أي أنهم يقولون أنه بعض مما يكسبه المقترض بالبيع والشراء ، وهو جزء منه ، فرد عليهم بأن البيع حلال ، لأن الكاسب بالبيع يتحمل كسبا وخسارة ، وحرم الربا لأنه الكسب من غير تعرض للخسارة ، وبذلك يكون الكسب من البيع طبيعيا ، والكسب بالربا غير طبيعي لأن النقد لا يلد النقد . وثانيا - قوله تعالى : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ، فإن التعبير عن الدين برأس المال إنما يكون في المال المتخذ للاستغلال ، ولا يقال رأس المال للمال المتخذ لاستخدامه في الضرورة ، فكان هذا دليلا من النص يفيد أن التحريم وارد في القرض الاستغلالى ابتداء ، والاستهلاكى تبعا ؛ ذلك أن النص بعمومه يحرم كل زيادة ، لأن أي زيادة تنقض التوبة وتكون ظلما . وثالثا - أن أحوال أهل مكة والطائف تجعل القرض للاستغلال هو الغالب بينهم وأن القرض للاستهلاك لم يكن شائعا بينهم ، فقد كان أهل مكة وما حولها تجارا ، ينقلون بضائع الروم إلى الفرس عن طريق الشام واليمن ، وينقلون بضائع الفرس إلى الروم عن هذه الطريق أيضا ، ولذلك كانت لهم رحلتان تجاريتان إحداهما رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام كما قال تعالى : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( 4 ) [ قريش : 1 - 4 ] . وإذا كانت مكة والطائف بلدين تجاريتين ، فلا بد أن نتصور أن منهم من كان يتجر بنفسه بائعا مشتريا ، ومنهم من كان يتجر بطريق غيره ، فيعطى لمن يتجر بنفسه على أن يكون الربح بينهما بنسبة معلومة ، والخسارة تكون على صاحب رأس المال ، كما كان يفعل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في مال خديجة بأمانة الأمين صلى اللّه تعالى عليه وسلم . ومنهم من كان يدفع المال إلى غيره على أن يكون له كسب محدود مما يؤول إلى التاجر ، كسب التاجر أو خسر ، وقد روى ذلك من معاملات قريش ، فقد كان ذو المال يدفع المال إلى التاجر على قدر من المال هو الربا ، فإن سدد أخذ رأس المال مع الزيادة ، وإن لم يأخذ أبقى المال وضاعف الزيادة ، ولذلك أثر عن الربويين أنهم كانوا يقولون للمدين ادفع أو ضاعف ، والمراد مضاعفة الزيادة . وقد قال أصحاب السيرة في مقدمات غزوة بدر أن قريشا كلها خرجت بكل مالها للتجارة حتى حلى النساء ، فأرادها أهل الحق كما صادروا من أموال المؤمنين ، فاستنفر أبو سفيان قريشا ، وخرج الجند لحماية العير ، فكانت الغزوة ، ولا بد أن يكون في هذا